الوحدة الإسلامية ضرورة وهدف
جاء النبي صلى الله عليه وآله بدين الإسلام، خلاصة لما سبقه من الديانات الإلهية، وشريعة خاتمة، ومنهاج تقوى، تولى إرساءه بين أتباعه، على أساس من التوحيد والوحدة، خلافا للعقلية الجاهلية، المبنية على أساس الاستعلاء والتناحر والتباغض والفرقة والاعتداء والقتل، فلم يأل جهدا في ما كلفه الله تعالى به، متخذا من نفسه قدوة ونموذجا، داعيا إلى الحق وصراط مستقيم، وبين هذا وذاك كان يتألف القلوب، ويعفو عن المخطئين، ويغض الطرف عن الجاهلين ممن كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوته، ويسلقون مواقفه المتصلة بالوحي، بالسنة حدتها الأنانية، وصبغتها الجاهلية العمياء، ورسمت شخصيته المباركة كل معاني الرحمة والرأفة، ومضى على نهجه، مستعينا بالصبر على الغلواء والغوغاء.
كانت رغبته في تأسيس عقلية تساوي نفسها بغيرها، بل وتقدمها في أغلب الأحيان على نفسها، مؤثرة إياها في جميع مجالات الحياة، ومن ذلك جاءت دعوته إلى تكوين رابطة الأخوة الإسلامية، مذ أن جمع حوله الوافدين الأوائل إلى الدين الإسلامي من سكان مكة، وكان أغلبهم من المستضعفين، فآخى بينهم المؤاخاة الأولى، رفعا لمعنوياتهم وتقوية لذواتهم، ثم آخى بعد هجرته إلى المدينة بين المهاجرين والأنصار، في حركة تأليفية نادرة الحدوث في التاريخ، كل ذلك من أجل توثيق أواصر الألفة، بين مختلف أفراد المجتمع الناشئ، ورص صفوفه، وتقوية بنيانه، في مواجهة التحديات التي ستواجهه مستقبلا.
لقد جاء ذلك التأسيس، تنفيذا للأمر الإلهي، بوجوب أن يكون المجتمع الإسلامي كتلة واحدة، وجسدا واحدا.
قال تعالى:"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا."آل عمران الآية 103
وقال أيضا:" إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون." الأنبياء الآية 92
لقد جاء الخطاب القرآني آمرا بوحدة الصف الإسلامي، فارضا على جميع المسلمين مسألة الوحدة بينهم فرض عين، ولم يقف عند ذلك الحد فقط، بل ودعانا إلى توافق ديني واجتماعي بيننا وبين أهل الكتاب، فقال:" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا أربابا من دون الله…"سورة آل عمران الآية 64
دعوة ربانية تميزت بأساسين، تنبني عليهما العلاقات السليمة بين الشعوب والأمم، وهما توحيد الخالق في العبودية وما يستلزمه، ورفض كل من ينصب نفسه مشرعا من دون الله.
وجاء حديث النبي صلى الله عليه وآله في الحث على الوحدة الإسلامية:
# المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا مسلم كتاب البر والصلة والأدب باب تراحم المؤمنين تعاطفهم وتعاضدهم حديث:4684 ج 16 ص114
# مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهموتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهروالحمى . مسلم حديث:4685 ج16 ص 115
وكان المثل الثاني بعد النبي صلى الله عليه وآله، في مراعاة الوحدة الإسلامية، الإمام علي عليه السلام، الذي رغم غصب حقه في قيادة الأمة الإسلامية، لم يأل جهدا في النصح والإرشاد، ولئن لم يرجع إليه الناس في مسألة الحكومة الإسلامية، إلا بعد إنفلات زمام السلطة، وتأصل حالة الفوضى في المجتمع، فقد كان المعلم والمصحح، والملجأ في المعضلات، وكهف الحيارى في الملمات، ومع أنه كان على الحق، فإنه لم يستبد ولم يستعلي، وكانت سجيته في جميع مراحل حياته، حفظ الإسلام وإقامة شعائره، وفق ما جاء بها الوحي، وكان شعاره في تلك المرحلة الحساسة والخطرة: لأسلمن ما سلمت بيضة الدين.
لقد تأسست شعائر الإسلام على الوحدة والاجتماع، ولم تتأسس على الفرقة والاختلاف، فالمسجد الذي أسس على التقوى في مجتمع ناشئ يسعى إلى تحصيلها، قد بني على أساس الجمع والاجتماع والجماعة والجمعة، في المجتمعات الإسلامية أينما كانت.
وجاء ترغيب المسلمين بفضل صلاة الجماعة، وتميزها على صلاة الفرد ب27 درجة، وجعل ذلك الحافز، من أجل تحقيق ديمومة البناء الذي يشد بعضه بعضا.
وجعلت الكعبة البيت الحرام قياما للناس، يأتونها من كل فج عميق من هذا العالم،لإقامة شعيرة الله تعالى في حج بيته المقدس، على نفس الأساس من وحدة العبادة، ووحدة الدين، ووحدة الصف الإسلامي، فكان الآذان بالحج دعوة لعالمية الإسلام وقضاياه، منه انطلقت دعوة البراءة من الشرك والمشركين، وبه اختتم الدين كركن عبادي، يرفض في أدق تفاصيله الفرقة، وإذا كانت الجمعة اجتماعا جهويا للمسلمين في مناطقهم لتدارس اهتماماتهم ومستجداتهم، فإن الحج اجتماع عالمي لبحث قضايا الأمة كافة.
هذه المفاهيم الأصيلة، ما كان لها أن تنحسر وتنمحي، لولا الإنحراف الذي طرأ على مسألة الحكومة الإسلامية، وصرفها عن أصحابها الشرعيين.
التطرف بدأ بالانحراف عن القيم والمفاهيم
لقد سلبت السقيفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، دور المسجد الريادي، في بسط وطرح قضايا الإسلام ومتطلبات الأمة، وانتهى الأمر إلى ما نحن عليه اليوم، من محاولات أخرى لإطفاء نور الله في عدد من أحكامه، بعد أن أصبح فصل الدين عن الحياة، أمرا واقعا عند السواد الأعظم من المسلمين، وتحول الفقيه العالم، من قائد ومرجع يسير وراءه المسلمون في السلم والحرب، إلى خادم يمشي في ركاب الطغاة والظلمة، ويصدر فتاواه بحسب رغباتهم وتبعا لأهوائهم.
وتمشيا مع سياسة الكيد للدين الإسلامي، ظهرت في جسد الأمة غدد وأورام، خرجت عن دورها الأساس في التوحيد والوحدة، لتفرز لنا حالة من الفرقة والعداء، وصلت إلى حد القتل واستباحة الدم الحرام، مع أن الدين نهى عن ذلك، وشدد وغلظ على حرمة المسلم دمه وماله وعرضه، وقد سجل التاريخ وقوع مجازر رهيبة، أرتكبت باسم الدفاع عن الدين، راح ضحيتها ملايين من المسلمين الشيعة على مدى أربعة عشر قرنا.
وأعتقد يقين
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ